المثلية الجنسية ظاهرة فلسفية لسلوك مكتسب

وصف الكتاب:

يعد موضوع المثلية الجنسية Homosexuality من أكبر مشاكل الفلسفة الاجتماعية في وقتنا الحالي ، وهذا يرجع إلى أسباب كثيرة ، ويأتي في مقدمتها، محاولة فرض المثلية بالقوة كواقع على المجتمعات ، ولا سيما المجتمعات العربية ؛ وذلك لكونها تمثل أحد أشكال الشذوذ الجنسي والتي تتضمن وجود المشاعر الرومانسية ،والانجذاب الجنسي لأفراد من نفس الجنس والرغبة بممارسة الجنس معهم.


ومصطلح المثلية الجنسية ظهر سنة 1869 ، وما قبل ذلك فقد كان يستخدم لفظ ” اللواط” و” حب الغلمان” ، ويأتي تحت لفظ المثلية عدد من الأنواع منها : انجذاب الشخص عاطفيا وجنسيا لنفس نوعه، مثل انجذاب الذكر للذكر، وانجذاب الأنثى للأنثى ، وكذلك يضم أيضا ازدواج الميول الجنسية ، أي ميل الشخص للرجال والنساء معا، ومزدوجي الجنس والذين يميلون لأي فرد بغض النظر عن جنسه ، وعديمي الجنس ، وهؤلاء ليس لديهم ميول جنسية لأي نوع ، وهذا يضم كل الذين يحبون الأطفال الصغار .
ويجب علينا ألا نخلط بين المثلية الجنسية وبين اضطراب الهوية الجنسية، كأن يكون الشخص ذكرا ، لكنه لا يشعر أنه ذكر ، وغير قابل لنفسه بأنه ذكر، وفي ذات الوقت يشعر بداخله أنه انثى ، وهذه يمثل شيء مختلف .


وهناك اختلاف أكاديمي لتعريف المثلية الجنسية وتاريخ ظهورها ، فهناك رأي يقول بأن المثلية الجنسية بكل أشكالها توجد في كل زمان ومكان ، وهذا هو الرأي الأشهر ، وإنما هناك رأي يقول بأن المثلية الجنسية تُخلق نتيجة للظروف ، والمثلية الجنسية كانت حاضرة على مر العصور، وهناك شخصيات تاريخية اشتهرت بالمثلية الجنسية ، ومنهم ملوك وأباطرة .
ففي أوروبا وفي روما بالتحديد كان للأباطرة شركاء ذكوراً فيما عدا كلوديوس، وفي عصر النهضة اشتهرت إيطاليا بالحب المثلي وكانت تقام علاقات مثلية أحياناً بشكلٍ علنيّ لكن السلطات كانت تعدم وتعاقب نسبة كبيرة منهم، حيث كانت معظم أوروبا منذ النصف الثاني من القرن الثالث عشر تعاقب المثليين بالإعدام، لكن أوروبا اليوم تعتبر المثلية ميول جنسي عادي لا يُعاقب عليه الفرد.


وأقدم تصوير للممارسات المثلية تم تسجيله على الآثار الحجرية في القرن العاشر قبل الميلاد بمدينة صقلية الإيطالية ، وكذلك نجد آثار تلك الممارسات نجدها مسجلة على جدران المعابد المصرية القديمة ، والحضارة الأشورية ، والحضارة الإغريقية ، والحضارة الرومانية ، .. إلخ.


بيد أن الرسالات السماوية قد حرمت المثلية الجنسية واعتبرتها من الكبائر ، وذلك لكونها نتحرف عن الفطرة وعن القاعدة الأساسية للخلق، وهو تعميم سير الكون ، ويستحق ممارسيها العذاب الأليم ، وذلك مثلما حدث مع قوم لوط .


وبعد ختام الرسالات رأينا كثير من المجتمعات ترفضها كذلك ، ولكن مع العصر العباسي والمملوكي أخذت المثلية الجنسية تنتشر ، وبدأ يقال أسماء لخلفاء وأمراء مارسوا المثلية الجنسية، ويتفق أغلب المؤرخين على أن زمن حكم الدولة العباسية شهد شيوع (أزدهار بتعبيرهم) المثليين الجنسيين، إذ يذكر الطبري أن الخليفة الأمين “طلب الخصيان وأتباعهم وغالى بهم وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره، ورفض النساء الحرائر والإماء”، وأن والدته حاولت ، بعد ان عجزت عن نصحه، أن تبعده بأن جاءت له بفتيات يشبهن الغلمان وفشلت ايضا؛ والأكثر أنه كان يتباهى بعشقه لغلام يدعى “كوثر” ويتغزل به شعرا:
“كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي ..أعجز الناس الذي يلحى محبا في حبيب.”


ناهيك عن اشتهار أهل تلك العصور بعشق الصبيان بشكل صريح ، مثل الدولة العثمانية ، والتي انتشرت فيها الممارسات الشاذة مع الصبيان ، والمعروفة باسم ” الكوك” ، وفيها يتم ارتداء الأولاد ملابس نسائية ، ويجملوا وجوهم بالمكياج ، ويجعلونهم يرقصون أمام مجموعة من الرجال ، وفي النهاية كل رجل يختار صبي من تلك الصبيان ويمارس معه الجنس .


والغريب ورغم أن المثلية الجنسية محرمة عند العرب ، إلا أن شعراء العرب كانوا يكتبون أشعار تتحدث عن المثلية الجنسية وتتعزل في الصبيان مثل ” أبي نواس” .
وفي ستينات القرن الماضي حدث تحول في موضوع المثلية الجنسية حيث تم تسجيل أول تجمع عالمي للمثليين في الولايات المتحدة الأمريكية ، وبرغم ذلك ظلت كثير من المجتمعات ترفض المثلية الجنسية ، حتى فترة قريبة كان علم الطب وعلم النفس يعتبر المثلية الجنسية مرض .


ولكن في عام 1973 تغيرت النظرة لموضوع المثلية الجنسية بشكل مفاجئ والسبب يعود إلى أن الجمعية الأمريكية للطب النفسي خذفت المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية ، ونفس الشيء فعلته جمعية علم النفس الأمريكية ، التي قد أكدت أن الأبحاث أظهرت أن المثلية الجنسية بأشكالها لا تمثل مرض ، وإنما يوجد لديها نشاط جنسي للبشر .


وعلى إثر هذا التغير المفاجئ خرجت حركات تطالب بحق المثليين في تقبل المجتمع لهم ، وسن القوانين التي تسمح بزواجهم من بعضهم بعض ، وفي تسعينات القرن الماضي انفجرت القنبلة وظهرت دراسة تؤكد أن المثلية الجنسية تحدث بسبب الحمض النووي للإنسان ، وبناءاً على هذا البحث ، فالمثلية الجنسية لن تكون اختيارية ، بل صفة بيولوجية ووراثية , وفي عام 2019 تم حذف المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية، بل أصبح يوم 17 مايو من كل عام يومًا لتنظيم مسيرات مؤيدة للمثلية في مدن مختلفة من العالم، وانتقلت المثلية من حالة العيب والعار الأخلاقي والاجتماعي (منظور الفعل) إلى حالة الإظهار بل والافتخار تحت مسمى لافتة محاربة “رهاب المثلية” (منظور الهوية).


وفي هذا الإطار كان ثمة محاولات لإعادة تفسير السلوك المثليّ الجنسيّ من منظورات علمية، ويمكن أن نرصد هنا أطروحة قامت بتحلل بيانات الحمض النووي والممارسات الجنسية لأكثر من نصف مليون شخص في بريطانيا وأمريكا ، وتوصلت أن الجينات بريئة من تهمة المثلية الجنسية براءة الذئب من دم ابن يعقوب ؛ بمعنى أن الموضوع لا يحمل في طياته عامل وراثي ولا اختلاف جيني ، وأكد الباحثون في تلك الدراسة أن المسئول عن المثلية الجنسية يعود لعوامل خارجية، مثل : البيئة ، والتنشئة الاجتماعية، والعوامل الاجتماعية والشخصية والعاطفية والنفس .


ولكن برغم التأكيد أن المثلية الجنسية اختيارية ويمارسها الأفراد بمحض إرادتهم ، إلا أننا فوجئنا أننا محاصرين بالشواذ ، وأن مجتمع الميم يفرض نفسه علينا ببشاعة ، علاوة على وجود أيادي خفية تلعب في المجتمعات وتسوق للمظلومية المثلية ، فبدأنا نرى أعلام ملونة ، ومظاهرات ، ومسيرات ، وإعلانات لمشاهير يعترفون أنهم شواذ ، واضطرت الدول الأوربية وأمريكا تعترف بهم وبحقهم في العيش في المجتمع .


ففي عام 2001 قررت هولندا زواج المثليين واعتبرتهم متساويين مع الأشخاص العاديين ، ولهم نفس الحقوق والرعاية ، ليس هذا فقط ، بل رأينا أن العائلة المالكة في هولندا قد سمحت لإحدى بناتها أن تتزوج من بنت مثلها ، واعترفوا بالأسرة المثلية وبحقهم في تنبي أطفالا كما يشاءون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *